ما هو تعليقكم ثبتكم الله عن قول الجويني (رحمه الله)؟
((القياس مناط ت الاجتهاد وأصل الرأي, منه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتقاء الغاية والنهاية, فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة مقصورة, ومواقع الإجماع معدودة مأثورة………
والرأي المبتوت به عندنا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى بتلقي من قاعدة الشرع والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال فهو إذن أحق الأصول باعتناء الطالب.
ومن عرف مأخذه وتقاسيمه وصحيحه وفاسده وما يصح من الاعتراضات عليها وما يفسده منها, أحاط بمراتبه جلاء وخفاءً, وعرف مجاريها ومواقعها فقد احتوى على مجامع الفقه))
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله أما بعد :
إعلم وفقك الله أن هذا القول مجانب للصواب بل هو مردود غير مقبول ممن أتى به من بعض الفقهاء والأصوليون ومن نحى نحوهم ممن يرى هذه المقالة … وبيان ذالك كالتالي:
قوله غفر الله له (فان نصوص الكتاب والسنة ..) إن كان يقصد أنها محصورة بعدد معين أي أنها معدودة فهذا حق مشاهد مجمع عليه بين المسلمين وهي التي بين أيدينا فالكتاب هوكلام الله المحفوظ بين دفتي المصحف فله أول واخر وأما السنة فهي كلام النبي صلى الله عليه وسلم المحفوظة بين دفتي كتب السنة الصحيحة .
وأما إن كان يريد – وهو ظاهر سياق الكلام – أنها محصورة أي بمعنى أنها لاتكفي في تنزيلها على الحوادث المستجدة النازلة ولذا أردفها بقوله (مقصورة) وعليه فلابد من البحث عن مصدر زائد عليهما يفي بالمستجدات والحوادث وهو كما زعموا أنه القياس وغيره فهذا باطل مردود بالكتاب والسنة.
قال الله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
قال البغوي رحمه الله تحت هذه الآية
قوله عز وجل: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يعني: يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم، يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، ولا شيء من الفرائض. هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، وروي عنه أن آية الربا نزلت بعدها.
قال الله تعالى :( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين)
قال البغوي رحمه الله
بيانا ، ( لكل شيء ) يحتاج إليه من الأمر والنهي ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، ( وهدى ) من الضلالة بشارة للمسلمين
وقال : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
قال البغوي رحمه بالله
أراد بالذكر الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مبينا للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة
ولهذا قال أحد المفسرين وهو إبن عاشور التونسي على أن فيه ما فيه تحت هذه الآية ولنعم ما قال:
وفي خلال ذلك كله أسرار ، ونكت من أصول العلوم والمعارف صالحة لأن تكون بيانا لكل شيء على وجه العموم الحقيقي ، إن سلك في بيانها طريق التفصيل ، واستنير فيها بما شرح الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما قفاه به أصحابه وعلماء أمته ، ثم ما يعود إلى الترغيب والترهيب من وصف ما أعد للطائعين ، وما أعد للمعرضين ، ووصف عالم الغيب والحياة الآخرة ، ففي كل ذلك بيان لكل شيء يقصد بيانه للتبصر في هذا الغرض الجليل ، فيأول ذلك العموم العرفي بصريحه إلى عموم حقيقي بضمنه ولوازمه ، وهذا من أبدع الإعجاز
وقال تعالى :
(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا )
وقال الله تعالى :
(وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا مااضطررتم إليه)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين (الحلال بين والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهة ، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث العرباض بن سارية عند بعض أصحاب السنن بسند صحيح (لقد تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، و لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، و من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي ، و سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه في مسلم ( إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم . وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها . وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها . وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضها . وتجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه مهلكتي . ثم تنكشف . وتجيء الفتنة فيقول المؤمن).
وغيرها من النصوص المتوااترة المتكاثرة التي تبين المراد بل إن هذا أمر مقطوع به .
وأما قوله غفر الله له(والرأي المبتوت به عندنا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى بتلقي من قاعدة الشرع) فهذا تناقض ظاهر مع ما ذكره وما أصله وكذلك مع ما سيؤصله بعد مقالته هذه وهذه الجمله ما هي إلا إستدراك ضعيف لايفي بالمقصود وبيان ذلك أن يقال كيف هو من المبتوت عندكم أنه لاتخلوا واقعة عن حكم الله مع أنك ذكرت آنفا أن أدلة الكتاب والسنة محصورة مقصورة .
فإن قائل : إن المراد بذلك أن القياس يتوصل به إلى معرفة حكم الله وهو استرسال من الأدلة الشرعية قلنا فكيف تعدونه أصلا مع أنه مجرد إسترسال أو إستنباط مرجعه الكتاب والسنة فمثل هذا لا يكون أصلا قط بل إنهم يغلون في مسمى القياس حتى إنه عند بعضهم هو أصل الأصول وسلم الوصول وقريبا منه كلام الجويني أعلاه حيث قال عفا الله عنه (فهو إذن أحق الأصول باعتناء الطالب)والله المستعان.
وأما قوله غفر الله له ( منه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة) فيقال له إن كان مرادك بتشعب الفقه تنوع الحوادث واختلاف المسائل وتكاثر الفروع فهذا لا شأن له بالقياس وإنما مرجعه إلى تجدد الحوادث وتنوع النوازل وهكذا في كيفية تنزيل نصوص الشرع عليها .
وأما إن كان المراد بتشعبه اختلاف الفقهاء وتنوع الآراء وتباين الطرق وهو الذي نتج عنه التقليد الأعمى لآراء الرجال فهو كما قال ولكن هل هذه منقبة أم مذمة لاشك أن كل ذي لب يعرف بالبديهة التي فطر الله الناس عليها أنها مذمة ومهانة وهي السبب في اختلاف الأمة وتناحرها ولهذا هو أحد أهم العومل التي كانت سببا في ضعف كيانها وخبوت نجمها وخوار قوتها فما تشتت الأمة إلا بعد أن أقحمت آراء الرجال فيها بلا برهان , تارة بالإقحام الصراح وتارة بمسميات مختلفة منها القياس وتصديق ذالك ما قاله الحويني عفا الله عنه أعلاه(القياس ….أصل الرأي) وهو كما قال.
وقوله بتشعب أساليب الشريعة فهذا خطاء ظاهر آخر بيان ذلك أن الأمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تعرف إلا أسلوبا شرعيا واحدا وهو طريقة النبي صلى الله عليه وسلم لاغير فلما مات عليه الصلاة والسلام وانقطع الوحي و ظهرت الأهواء والبدع والآراء في الدين بلا برهان وذلك بعد انقضاء عصر جمهور الصحابة رضوان الله عليهم فأنكر ذلك من كان حاضرا منهم وردوه وأمروا الناس باتباع النبي صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره وماتوا على ذلك فجاء من بعدهم وهم أتباعهم الصالحين أهل الفضل والعلم فأمروا الناس باتباع طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم الحياد عنها وذلك على نحو أسلوب الصحابة رضي الله عنهم مستدلين على ذلك بالسنة والكتاب كما قال تعالى :
(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) فهذا هو الأسلوب والطريقة الشرعية الوحيدة المعروفة والمعهودة عندهم والتي هي نهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن حذا حذوهم أسال الله بمنه وكرمه أن يجعلنا منهم وأن يتوافنا على ذلك , فالتعددية وإن شئت سميتها المذهبية أمر لم يكن على عهدهم رحمهم الله وإنما هوأمراستجد وحدث وكما قيل:
وخير الأمور السالفات على الهدى وشرالأمورالمحدثات البدائع
وأما قوله غفر الله له(القياس مناط ت الاجتهاد) فهذا باطل يلزم قائله أن الأمة قبل أن يظهر الرأي والقياس لم يكونوا بأهل اجتهاد فإن ردوا ذلك تكلفا وزعما أن القياس كان حاضرا ولكن ليس بالكثرة – وهو غير مسلم قطعا – كمن بعدهمم لزمهم أن اجتهادهم كان أقل وأضعف ممن جاء بعدهم وهذا لاانفكاك لهم عنه إن كانو منصفين.
وإلزام اخر لهم وهو أنه لوكان القياس هو مناط الاجتهاد لكان جماعة من أئمة السلف وأعيانهم ممن أجمعت الأمة على فضلهم واجتهادهم وعلمهم بل جماعة منهم تصدروا للفتيا في أيام الصحابة وهم ممن تواترت عنهم الأخبار برد القياس والإنكار على من قال به أنهم عند هؤلاء لايكونوا مجتهدين بل ولاعلماء ومن هؤلاء على وجه الذكر لا احصر كأبي عمرو عامر بن شراحيل الشعبي أوأبي بكر محمد بن سيرين البصري وغيرهم كثيروالله المستعان.
بل إن مناط الإجتهاد هو حفظ أدلة الكتاب والسنة وفهمها فهما صحيحا وتنزيلها على الحوادث والمسائل تنزيلا سليما سائغا كما هو عمل أئمة الهدى ومصابيح الدجى وكذا منه معرفة آثار السلف وأدلة أقوال الرجال وعللها وهكذا .
وأما قوله غفر الله له (والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس)
فهذا تثبيت لقاعدته التي أصّلها هو لنفسه وهي أن النصوص الشرعية محصورة مقصورة فكان ناتج ذلك أنها لاتتمكن من الإسترسال على جميع الوقائع وهذا يرد عليه ماذكرناه آنفا ونزيد عليه ما يلي :
إعلم وفقك الله أن مدلولات النصوص الشرعية على الوقائع التي نصت عليها هي مدلولات قطعية لاتحتمل النقاش وذلك لثبوت النص ودلالته على الشاهد والمقصود وأما دلالة القياس على الحوادث فهي دلالات تحتمل النزاع والخلاف أي أنها دلالات غيرقطعية وهذا مالايختلفون عليه إلامن شذ منهم وعليه نقول إن كان القياس كما تزعمون إسترسالاً لأدلة الكتاب والسنة كما هو قولكم للزم أن تكون مدلولاته قطعية كالكتاب والسنة تماما ولافرق وهذا مالا يقولون به بل كما قال الجويني عفا الله عنه (ومن عرف مأخذه وتقاسيمه وصحيحه وفاسده وما يصح من الاعتراضات عليها وما يفسده منها….) فأثبت أن منها الصحيح ومنها الفاسد وأنّا يستدل بدليل يختلط صحيحه بفاسده وأما أنه لايميز هذا التخليط إلا من بلغ الغاية فهو خلاف الواقع الذي نعيشه ونراه فترى جماعة ممن بلغ الذروة عندهم وبلغ أعلى المراتب عند أصحاب التقليد ترد عنه أقيسة تتعجب من هزالتها الأذهان بل ويمقتها كل ذي حس سليم والله المستعان.
وهكذا في قوله وما يصح من الإعتراضات عليها أي أن هناك إعتراض سائغ صحيح على أحد أصول التشريع فيعترض ويرد أويقبل كلٌ بحسب رأيه والله المستعان .
نكتة : لو سلم لهم بذلك لأصبح القياس أصل مختلف عن بقية الأصول الثلاثة التي كلنا نتفق عليها وهي الكتاب والسنة والإجماع الصحيح إذ أنها أصول لا تقبل الإعتراض ولا الفساد وعليه فإن القياس أصل على غير القياس فلو أن القياس حق للزمه ما لزمهم .
وهم مع ما سبق يقولون أنه أصل في التشريع ولكنه في ذات الأمر فرع عن الكتاب والسنة واسترسال لهما وهذا هو العجب بعينه فهو أصل وفرع في آن واحد, فيثبتون له وبه مالاثبتونه للكتاب والسنة وهكذا العكس.
وأما قوله غفر الله له (فهو إذن أحق الأصول باعتناء الطالب …ومن عرف مأخذه وتقاسيمه وصحيحه وفاسده وما يصح من الاعتراضات عليها وما يفسده منها, أحاط بمراتبه جلاء وخفاءً, وعرف مجاريها ومواقعها فقد احتوى على مجامع الفقه)
فهذا والله المستعان غلو في مسمى القياس ناهيك به فكيف يكون القياس أحق بالإعتناء من الكتاب والسنة كيف ذلك وهو يقرأن الكتاب والسنة مرجعهما الى العليم الخبير وأما القياس فهو كما قال (أصل الرأي) والرأي مرجعه إلى الرجال فأنّا يستوي الأمران .
ولايخفاك أن هذا الغلو في القياس وآراء الرجال منه غفر الله له وممن هم مثله معهود معروف محسوس ومشاهد كذلك فهو- أي الجويني- القائل في كتابه (مغيث الخلق، في ترجيح القول الأحق) بإيجاب إتباع مذهب الإمام الشافعي رحمه الله دون من سواه وصرح في كتابه المذكورأنه – أي المذهب- هو الحق دون غيره وألزم الناس أن يقلدو الشافعي رحمه الله دون غيره والله المستعان .
وكتبه الفقير الى عفو ربهِ
أحمد بن عمر بن عبدالرحمن باناجة
الدوعني الحضرمي
غفر لله له ولوالديه وثبته على الهدى
آمين